صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
12
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
أمر عرفه من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأن قد جعل اللّه بالنّاس كلّهم الحاجة إليه في دينهم ، وأقام عليهم حجّته بما دلّهم عليه من سنن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معاني ما أراد اللّه بفرائضه في كتابه ، ليعلم من عرف منها ما وصفنا أنّ سنّته صلّى اللّه عليه وسلّم إذا كانت سنّة مبيّنة عن اللّه معنى ما أراد من مفروضه فيما فيه كتاب يتلونه ، وفيما ليس فيه نصّ كتاب سنّة أخرى فهي كذلك لا يختلف حكم اللّه ثمّ حكم رسوله ، بل هو لازم بكلّ حال « 1 » . وقال الشّاطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : الكتاب ( أي القرآن ) هو المتّبع على الحقيقة ، ومراتب النّاس بحسب اتّباعهم له . إنّ اللّه تعالى وضع هذه الشّريعة حجّة على الخلق كبيرهم وصغيرهم ، مطيعهم وعاصيهم ، برّهم وفاجرهم . لم يختصّ بها أحدا دون أحد ، وكذلك سائر الشّرائع إنمّا وضعت لتكون حجّة على جميع الأمم الّتي تنزّل فيهم تلك الشّرائع ، حتّى إنّ المرسلين بها صلوات اللّه عليهم داخلون تحت أحكامها . فأنت ترى أنّ نبيّنا محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم مخاطب بها في جميع أحواله وتقلّباته ممّا اختصّ به دون أمّته ، أو كان عامّا له ولأمّته - فالشّريعة هي الحاكمة على الإطلاق والعموم عليه وعلى جميع المكلّفين ، وهي الطّريق الموصّل والهادي الأعظم . ألا ترى إلى قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ( الشورى / 52 ) . فهو عليه الصّلاة والسّلام أوّل من هداه اللّه بالكتاب والإيمان ، ثمّ من اتّبعه فيه ، والكتاب هو الهادي ، والوحي المنزّل عليه مرشد ومبيّن لذلك الهدى ، والخلق مهتدون بالجميع . ولمّا استنار قلبه وجوارحه عليه الصّلاة والسّلام وباطنه وظاهره بنور الحقّ علما وعملا ، صار هو الهادي الأوّل لهذه الأمّة والمرشد الأعظم ، حيث خصّه اللّه تعالى دون الخلق بإنزال ذلك النّور عليه ، واصطفاه من جملة من كان مثله في الخلقة البشريّة اصطفاء أوّليّا من جهة اختصاصه بالوحي الّذي استنار به قلبه وجوارحه فصار خلقه القرآن ، حتّى قال اللّه فيه : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ وذلك لأنّه حكّم الوحي على نفسه حتّى صار في علمه وعمله على وفقه واقفا عند حكمه ، فقد جاء بالأمر وهو به مؤتمر ، وبالنّهي وهو منته وبالوعظ وهو متّعظ ، وبالتّخويف وهو أوّل الخائفين ، وبالتّرجية وهو سائق دابّة الرّاجين ، وقد صارت الشّريعة المنزّلة عليه حجّة حاكمة عليه ، ودلالة على الصّراط المستقيم الّذي سار عليه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فسائر الخلق حريّون بأن تكون الشّريعة حجّة حاكمة عليهم ، ومنارا يهتدون بها إلى الحقّ ، وشرفهم إنّما يثبت بحسب ما اتّصفوا به من الدّخول تحت أحكامها ، والأخذ بها قولا واعتقادا وعملا ، فمن كان أشدّ محافظة على اتّباع الشّريعة فهو أولى بالشّرف والكرم ، ومن كان دون ذلك لم يمكن أن يبلغ في الشّرف المبلغ الأعلى في اتّباعها ، فالشّرف إذا إنّما هو بحسب المبالغة في تحكيم الشّريعة « 2 » .
--> ( 1 ) الرسالة للشافعي ( 85 - 105 ) بتصرف . ( 2 ) الاعتصام ( 2 / 338 - 340 ) باختصار .